النفط: ما الذي تغيّر، ولماذا قفزت الأسعار، وماذا سيحدث بعد ذلك
ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد في بداية شهر مارس مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطّل أحد أهم طرق نقل الطاقة في العالم.
ارتفع خام برنت لفترة وجيزة نحو منتصف نطاق 80 دولارًا، مع تسجيل أعلى مستوى خلال اليوم عند نحو 82.37 دولار في 2 مارس، قبل أن يغلق عند حوالي 81.40 دولار في اليوم التالي، مسجلاً أقوى أداء منذ بداية عام 2025. ولم يكن هذا الارتفاع نتيجة نقص في مخزونات النفط؛ ففي الواقع، ارتفعت مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة بنحو 16 مليون برميل في أحدث تقرير أسبوعي، وهو رقم كان من المفترض عادة أن يضغط على الأسعار نحو الانخفاض. وبدلاً من ذلك، ركز المتداولون بشكل شبه كامل على ما يحدث في مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي ضيق ينقل عادةً نحو خُمس النفط العالمي.
أدت التقارير عن الهجمات، وارتفاع تكاليف التأمين، وتجنب السفن للمنطقة إلى دفع السوق لتسعير احتمال عدم تمكن النفط من المرور عبر المنطقة بأمان.
اضطرابات الشحن وعلاوة المخاطر
جاء التحول في نبرة السوق مدفوعًا بمخاوف لوجستية وأمنية أكثر من كونه نتيجة بسيطة للعرض والطلب. فقد خفّضت أو علّقت عدة شركات تأمين مؤقتًا تغطية مخاطر الحرب للسفن التي تعبر المضيق، كما تأخرت بعض مسارات ناقلات النفط أو تم تحويلها إلى مسارات بديلة. ويؤدي هذا النوع من الاضطرابات إلى زيادة تكلفة نقل النفط فورًا ويرفع احتمال حدوث اختناقات مؤقتة في الإمدادات. وفي مثل هذه اللحظات، يميل السوق إلى الاستجابة بسرعة، مما يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى تتضح الصورة بشأن ما إذا كانت السفن قادرة على العبور بأمان عبر المنطقة. وعلى الرغم من أن توفر النفط فعليًا لم يتغير بشكل كبير بعد، فإن الخوف مما قد يحدث كان كافيًا لدفع الأسعار إلى الارتفاع.
اختراق فني وإشارات الزخم
على الرسوم البيانية، اخترق السعر بشكل حاسم مستوى السقف بين 73 و74 دولارًا الذي حدّ من الحركة خلال شهر فبراير، محولًا هذه المنطقة إلى مستوى دعم، ومتسارعًا نحو أوائل نطاق 80 دولارًا. وتتشكل الشموع فوق المتوسطين المتحركين البسيطين لـ50 و200 يوم، واللذين يقعان في منتصف نطاق 60 دولارًا على هذا الرسم البياني، مما يؤكد انفصالًا واضحًا عن النطاق السابق وبداية اتجاه صعودي أقوى. كما أن اتساع أجسام الشموع وارتفاع أحجام التداول في الجانب الأيمن من الرسم البياني يعززان فكرة أن الاختراق كان مدفوعًا بعمليات شراء نشطة وليس بارتفاع تدريجي بطيء. ويبدو الإعداد واضحًا: طالما أن التراجعات تبقى فوق منطقة الاختراق ويظل السعر فوق كلا المتوسطين المتحركين، فإن المسار الأقل مقاومة يظل صعوديًا.
خام برنت (يومي): المتوسط المتحرك البسيط لـ50 و200 يوم، RSI مرتفع، وMACD إيجابي

المصدر: TradingView. الأداء السابق ليس مؤشرًا موثوقًا للأداء المستقبلي. البيانات حتى 4 مارس 2026.
يؤكد الزخم هذه الحركة لكنه يفسر أيضًا التقلبات. يقع مؤشر القوة النسبية لمدة 14 يومًا في منتصف مستوى 60 تقريبًا، قريبًا من حد التشبع الشرائي المعتاد عند 70 لكنه لم يتجاوزه بعد، ما يعني أن السوق تحرك بسرعة كافية ليصبح حساسًا للتراجعات القصيرة الناتجة عن العناوين الإخبارية. وفي الوقت نفسه، يبقى مؤشر MACD أعلى خط الصفر بوضوح، مع وجود خط MACD فوق خط الإشارة واتساع المدرج البياني الإيجابي، وهو ما يُتوقع عندما يظل المشترون مسيطرين على السوق. ببساطة: الاتجاه صعودي، الزخم قوي، وأي تراجعات قصيرة الأجل من المرجح أن تكون مجرد توقف مؤقت وليس انعكاسًا طالما يواصل الرسم البياني احترام مستوى الدعم الجديد الذي نتج عن الاختراق.
ما الذي تراقبه الأسواق بعد ذلك
يعتمد الكثير الآن على كيفية تطور ظروف الشحن. فإذا أعادت شركات التأمين التغطية الطبيعية، وشعرت ناقلات النفط بالأمان للعودة إلى مضيق هرمز، فقد تبدأ علاوة المخاطر الإضافية التي انعكست في أسعار النفط بالتلاشي. أما إذا تصاعدت التوترات أو استمرت القيود على الشحن، فمن المرجح أن تستمر بيئة الأسعار المرتفعة.
هناك أيضًا مسألة أوسع تتعلق بالإمدادات الإقليمية. فقد سلطت التقارير الضوء بالفعل على اضطرابات ومخاوف بشأن الإنتاج في أجزاء من الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق، وهو ما قد يوفر دعمًا إضافيًا للأسعار إذا استمر.
يراقب صناع السياسات الوضع عن كثب، وأي خطوات من الولايات المتحدة أو حلفائها لتوفير الحماية أو الدعم المالي لحركة ناقلات النفط قد تساعد في تهدئة المخاوف وتخفيف حدة السوق.
التأثير العالمي الأوسع
يحمل ارتفاع أسعار النفط أيضًا تداعيات عالمية. إذ يمكن أن تدفع تكاليف الطاقة المرتفعة التضخم إلى الأعلى، مما يخلق تحديات للبنوك المركزية التي كانت تميل سابقًا إلى خفض أسعار الفائدة. ويكون التأثير أكثر حدة بالنسبة للدول المعتمدة على النفط الخام من الشرق الأوسط. وتعد الهند من أكثر الدول تعرضًا لذلك، حيث تستورد نحو 55٪ من نفطها من المنطقة. ومع ارتفاع الأسعار، تراجعت أسواق الأسهم المرتبطة بالهند، مما يعكس القلق من أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضغط على النمو. وستظل هذه الحساسية قائمة طالما استمرت مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط في السيطرة على سردية السوق.
المستويات الرئيسية التي يراقبها المتداولون
على المدى القريب، يراقب المتداولون كيف يتحرك النفط حول المستويات الحالية. إن القدرة على البقاء فوق أواخر نطاق 70 دولارًا ستشير إلى أن السوق يحافظ على مكاسبه الأخيرة. أما الانخفاض مرة أخرى نحو أوائل نطاق 70 دولارًا، وخاصةً دون منطقة الاختراق حول 73 إلى 74 دولارًا، فسيشير إلى أن الزخم الصعودي يفقد قوته.
من ناحية أخرى، فإن حركة مستقرة فوق منتصف نطاق 80 دولارًا ستشير إلى أن المشترين ما زالوا يسيطرون بقوة وأن علاوة المخاطر المرتبطة بالصراع ومخاوف الشحن لا تزال قائمة. وتظل الأوضاع متغيرة، ومن المرجح أن تتفاعل الأسواق بسرعة مع أي تغييرات في العناوين الجيوسياسية أو ظروف الشحن أو البيانات السياسية.
الخلاصة
الارتفاع الأخير في أسعار النفط لا يتعلق بنفاد الإمدادات، بل بعدم اليقين. وطالما ظل مضيق هرمز نقطة توتر، فمن المرجح أن تبقى الأسعار مرتفعة ومتقلبة. وإذا استقرت الأوضاع، فقد تتلاشى الكثير من «علاوة الخوف» الإضافية بالسرعة نفسها التي ظهرت بها. وفي الوقت الحالي، يظل الاتجاه صعوديًا، مدعومًا بالحذر والعوامل الجيوسياسية وسوق شديد الحساسية لأي اضطراب في أحد أهم طرق نقل النفط في العالم.